العالم العربي في وضع حرج
في مواجهة الاحتلال الأميركي للعراق
يقول المثل: "انتبه الى ما تطلبه فمن المحتمل ان تحصل عليه." يبدو أن الولايات
المتحدة قد حققت ما أرادته في العراق، أي النصر العسكري السريع ـ الذي أسقط صدام حسين والمخاطر الضاغطة التي كان يهدد بها، أياً يكن نوعها ـ واقامة رأس جسر في مشروعها لإعادة تركيب الشرق الأوسط على أساس ديموقراطي.ومما لا شك فيه ان لدى واشنطن استراتيجيا ما، أيا يكن الرأي فيها، وهي الاستراتيجيا الجريئة من جانب قوة عظمى مستنفرة من أجل تحقيق غاياتها. وإن تكن هي لا تعجبنا فعلينا أن نحشد قوانا الخاصة في خدمة مشروعنا الخاص. إنما علينا أيضاً الاعتراف بالتفاوت الأكيد في القوى. فالعالم بغالبيته قد عارض هذه الحرب لكنه لم يستطع وقفها.والمؤسف أكثر أن العالم العربي والاسلامي لم يتمكن من مقاومة هذا المشروع ولم يعد حتى يملك القوة لإيجاد وحدته ورغبته الضروريتين للدفاع عن مصالحه. فالشعارات المظفرة حول الوحدة العربية الشاملة قد سقطت لصالح الاعتراف الفاضح بالضعف السياسي والاجتماعي والعسكري الموهن. فطالما نحن لا نتجاوز هذه المعطوبية سيظل برنامج عملنا من وضع غيرنا. فالولايات المتحدة، عندما قررت غزو العراق قد وضعت جدول اعمال هي نفسها، ومثلنا تماماً، عليها مواجهته الآن. فلنأمل أن يستغل العرب الفرصة لصوغه في الاتجاه الملائم لشعوبهم.من وجهة نظر القومية العربية، البراغماتية والديموقراطية، فإن الكثير من التغييرات تفرض نفسها في الشرق الأوسط. فالتشبث برفض أي إصلاح ديموقراطي، وصمود الأنظمة السياسية القائمة على رجلٍ قوي أو على الحزب الواحد، والعجز عن حل القضايا الاقتصادية والاجتماعية الفادحة والنفوذ المتنامي للتيارات الأصولية والجهادية وتعدد المواقف السياسية المتمحورة حول الأصولية والاستبدادية العلمانية، كل هذه العناصر تساهم في رسم مشهد في منتهى الاضطراب. ولم تظهر أي حركة تحضّ ولو على بعض التغيير سواء بدفع من الأنظمة أم من النخب أم من الشارع.وفي عالم تسيطر عليه حال من الهلع بسبب عدم استقرار دوله وعدوانية الأطراف الفاعلة التي تتفلت من سلطتها، هناك الكثير من الأسباب التي تستدعي الرغبة في رؤية المجتمعات العربية تتطور. وهذا الهاجس رفعته أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 الى رأس سلّم اولويات الغرب. ويبدو أن الشرق الأوسط قد حل مكان اوروبا كمحور للسياسة العالمية، حيث تتشعب الطرق وحيث سيتم قريباً اعتماد الخيارات الحاسمة التي ستحدد مستقبل العالم.وبدلاً من التفكير في ساحة المعركة في "صدام الحضارات"، فلنتطلع الى مصهر تُسيّل فيه جميع الثوابت العالمية الجديدة في إقامة التوازن والتعاون. ومن هذه الثوابت تبرز مفاهيم الديموقراطية والشرعية الشعبية والقانون الدولي وحق الدفاع عن الذات والسيادة الوطنية، كما ايضاً فكرة "حق الشفعة" مع ما يلازمه من حق امتلاك أو استخدام او التهديد باستخدام وسائل العنف على مستوى محدود او مكثف، بغية تحقيق الأهداف.كثير من المفاهيم التي تجعل الخلافات مستمرة وليس في ذلك ما يفاجئ. فمهما يكن من جرأة في المحاولة الأميركية لفرض إدارتها لهذا التطور التاريخي، فهي تبقى مجبولة بالتناقضات. إنه مشروع قد تأتي نتائجه الفعلية مختلفة كلياً عن الأهداف المتوخاة.فالحجج التي تذرعت بها واشنطن بالكثير من الإصرار لتبرير تدخلها في العراق هي في الواقع الأقل إقناعاً، من أسلحة الدمار الشامل الى علاقة صدام حسين بتنظيم "القاعدة" الى الخطر الذي يمثله النظام البعثي. وكلها أسباب تساقطت مصداقيتها، المحدودة جداً أساساً داخل المجتمع الدولي، حتى في الولايات المتحدة الى درجة أنها لم تعد
تستحق الكلام عليها. وعلى كل حال فان المدافعين الأكثر حماسة عن الحرب داخل الحكومة الأميركية قد اقروا بأن هذه التبريرات كانت من باب "التوفيق" أكثر منها حقيقية.لكن للعملية الاميركية تفسيراً آخر. فالوقائع الثابتة تشير الى أن اجتياح العراق ليس سوى الفصل الكبير الأول من عملية إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية العالمية والدور الذي تنوي الولايات المتحدة أن تلعبه فيها. وقد وضعت هذه الرؤية منذ ما قبل 11 أيلول/سبتمبر، إلا ان الجرائم التي ارتكبت في ذلك اليوم ساعدت في كسب دعم الشعب الأميركي والتحول الى خوض الحرب العالمية على الارهاب.
في ايلول/سبتمبر عام 2002 نشرت "استراتيجيا الأمن القومي للولايات المتحدة"(NSSوفي كلامه عنها رأى فيها الصحافي وليم بفاف "التنكر الأميركي ضمنياً لنظام الدولة الحديثة الذي يحكم العلاقات الدولية منذ العام 1648 ومعاهدة "وستفاليا"(...) وذلك بهدف الحلول مكان مبدأ الشرعية الدولية القائم ويتابع بفاف أن هذه الوثيقة "تؤكد أنه إذا قررت الولايات المتحدة من جانب واحد أن إحدى الدول تشكل خطراً مستقبلياً عليها، (...) فإن واشنطن ستتدخل وقائياً من أجل إزاحة الخطر حتى بـ"تغيير النظام إذا اضطرها الأمر الى ذلك" . وهو يدعو الى بسط الهيمنة الأميركية في كل مناطق العالم ويشدد على أن الولايات المتحدة "ستتصرف بشكل وقائي" بغية "استباق (...) اعمال عدائية من جانب أعدائها ومن أجل ردع خصومها المحتملين عن تنمية قواهم العسكرية على أمل تجاوز أو مضاهاة " قدراتها.ووفقاً لهذه السياسة يجب على الولايات المتحدة في الواقع أن تؤمن لنفسها "قوة عسكرية لا تضاهى" كي تتمكن من فرض إرادتها في كل مكان. ويجب عليها بالتالي أن تستبق ظهور دول قادرة، بفعل أسلحتها النووية، أن تجمد هذه الدواعي، والعراق يمثل في هذا المجال الدولة الأساسية في منطقة أساسية. كما يتطلب الأمر أيضاً منع قوى نووية منافسة لها، مثل روسيا او الصين، من ان تطرح على بساط البحث مسألة هيمنتها الشمولية.وتمثل الحرب على العراق الذروة بعد عشر سنوات من العمل الفكري والسياسي المكثف الذي قامت به مجموعة صغيرة من المحافظين الجدد [ الذين شكلوا مع الأصوليين المسيحيين ومع ذوي النزعة العسكرية، تحالفاً امبراطورياً جديداً تبلورت صورته في ظل رئاسة السيد جورج دبليو بوش.وهذه الاستراتيجيا تستدعي في الشرق الاوسط تغييراً جذرياً في "مجرى التاريخ" عبر تشجيعها اعتماد القيم السياسية والاقتصادية الأميركية على أمل أن تعقبها قيم مكملة أخلاقية وثقافية وحتى دينية. ووفقاً لهذا السيناريو من المفترض باحتلال العراق أن يوقف انتشار الأصولية الاسلامية ويضعف دعم المقاومة الفلسطينية ويحمل الفلسطينيين والعرب على الموافقة على مشروع "السلام". كما أنها تهدف الى وضع الولايات المتحدة في قلب منظمة الدول المصدرة للنفط بغية تعزيز سياسة تحديد الأسعار الخام والوضع المركزي للدولار عالمياً في آنٍ معاً.وفي هذا رؤية جريئة تكاد تكون رسولية. فهناك بحاثة مثل برنار لويس وفؤاد عجمي قد ساهموا في إقناع واشنطن بأن الانحطاط في عالم عربي عاجز عن تحقيق الاصلاح سيولد أشكالاً أكثر فتكاً من الإرهاب المعادي لأميركا. فالعهد الذي قام بعد 11 أيلول/سبتمبر هو أن القضاء على أنظمة من نوع نظام صدام حسين
وتغيير الثقافة السياسية في الشرق الأوسط سوف يمنعان المجموعات المتطرفة من نوع تنظيم القاعدة من الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وعلى هذا الأساس تقدم هذه الاستراتيجيا على أنها حاجة دفاعية.وفي الحقيقة أن الخطر الحقيقي يتأتى من الأسلحة النووية التي تأمنت لها مصادر صناعية وعلمية أقل انتشاراً ويسهل أكثر التحكم بها. فالحكومة الأميركية تستخدم عبارة "أسلحة الدمار الشامل" كي تمزج بين الأسلحة النووية والأسلحة البيولوجية والكيميائية مع انه تبين من التجربة أن هذه الأخيرة يصعب استخدامها وقليلة الفاعلية، إلا أنها أسهل جداً في التصنيع والاخفاء. فاعتبار أيّ بلد عربي أو اسلامي يملك صناعة كيميائية أو صناعة الأدوية البيولوجية بشكل بدائي على انه يشكل خطراً محتملاً، فهو قد يوفر يوماً ما السلاح لمجموعة إرهابية قادرة على استخدامه ضد الولايات المتحدة أو حلفائها. وهذا معناه القول لدول الشرق الأوسط أن مجرد التوصل الى مستوى معين من التطور قد يعتبر خطراً بحد ذاته إذا لم تلتحق هذه الدول بقوة بركاب المعسكر الأميركي.يضاف الى ذلك أن هذه الاستراتيجيا، الى جانب كونها تطالب بعدم تطوير الأسلحة النووية، تتخلى عن وسائل الرقابة، المعترف بها دولياً بواسطة المعاهدات، على نشر الأسلحة النووية، وذلك لصالح سياسة اكثر عدائية إحادية الطرف و"استباقية"، ففي الواقع أن "معارضة نشر الأسلحة" تكرس امتلاك الولايات المتحدة وحلفائها المقربين الأسلحة النووية إضافة الى التهديد باستعمالها.والمخيف أيضاً أن القوة العسكرية تشكل الوسيلة الأساسية التي تعتمدها الاستراتيجيا الجديدة لتحقيق أهدافها. فإذا تمنعت الدول عن الانصياع فان الولايات المتحدة تتكفل حملها على ذلك عبر فرض "التغييرات في الأنظمة" من طرف واحد ولو انتهك القانون الدولي. وما التزامها "الانساني" و"التقدمي" إلا تغطية رسمية للاحتلال. وما شأن المشكلات السياسية والاجتماعية المحلية؟ هي مجرد امور زائدة تحل سريعاً بعد استعراض القوة الساحقة، وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها "هذه الدول". فخطاب المحافظين الجدد حول "التحرير" و"إقامة الديموقراطية" يدعي التفوق على الحضارات كلها.ومشروع على هذا المستوى من العدائية يعتبر رهاناً ضخماً على فعالية التكنولوجيا العسكرية، وهو على كل ما رفضه قسم كبير من المجتمع الدولي. أما بالنسبة الى الرأي العام الأميركي، المرتاب جداً عندما يكون في وضع الضحية، فانه لم يتقبله الا بعد تأكده من وجود خطر حقيقي واحتمالات فعلية لتحقيق النجاحات. أما أنصار هذه الأحادية العدوانية في التصرف فكانوا يعلمون أنهم لن يسوقوا مشاريع شركاتهم "في غياب حدث يكون بمثابة كارثة وعامل محفز، بيرل هاربر جديدة نوعاً ما وهكذا فان صدمة 11 أيلول/سبتمبر وحدها كانت كفيلة فرض الانسياق وراء المشروع.من جهتها الدوائر التقليدية في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية التي اضطرت الى الانكفاء، فانها تشعر أيضاً بشيء من القلق إزاء هذا المستوى من التعصب. فالكل يتفهم الخطر الكامن في مشروع زعزعة الاستقرار في مجمل العالم العربي. حتى أن وزيراً سابقاً للخارجية في عهد الرئيس جورج بوش الأب قد صرح قائلاً: "إذا قرّر جورج دبليو بوش أن يطلق قواته ضد سوريا وإيران (...) فأنا بنفسي سأكون من الداعين الى تنحيته فإيران وسوريا وحتى السعودية التي يزداد توجيه الانتقادات اليها، هي في وضع المستهدف.فتطور الأحداث في هذه الدول الثلاث قد يفاقم من التجاذبات داخل الولايات المتحدة، بين التقليديين والمحافظين الجدد. فالفريق الأول يتمنى، بالنسبة الى إيران، تمتين العلاقات مع الايرانيين المعتدلين بغية التشجيع على عملية اصلاح النظام السياسي على المدى الطويل والتفاوض لحل المسألة النووية والحفاظ على التزود من النفط بشكل ثابت، وأبعد من ذلك من أجل تأمين تعاون أفضل مع شيعة العراق. ولأنهم مقتنعون بصعوبة القيام بعملية عسكرية ضد طهران فهم يفضلون دعم التغييرات الجارية. بينما المحافظون الجدد، وبالعكس، يفتقرون الى الحد الأدنى من الصبر اللازم في انتظار التوصل الى التوفيق مع رجال الدين هؤلاء "غير الأصوليين جداً" على أمل "بسيط" في أن يتخلوا "كما وعدوا" عن الأسلحة النووية. وهو ما ينذر بمواجهة وشيكة.وفي ما يتعلق بسوريا فان واشنطن تطالبها بالكف عن دعم المناضلين الفلسطينيين وحزب الله اللبناني. وعلى الأرجح أن التقليديين مستعدون لمنحها ، مقابل هذه التنازلات، ضمانات تتعلق بلبنان والجولان وباستمرار النظام البعثي. اما الصقور فيبدو أنهم من جهتهم قرروا المواجهة على أساس اتهامهم دمشق بإخفاء أسلحة السيد صدام حسين للدمار الشامل، إن لم تكن تؤويه هو نفسه. وقد وصل الأمر بالقوات الأميركية في العراق أن دخلت أراضي سوريا مع انها تعتبر "احد الحلفاء الأكثر فعالية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في مجال الاستخبارات المتعلقة بالحرب على تنظيم القاعدة