للامير مولاي هشام مع العرش و القصر في الرباط حكاية طويلة و متشعبة
و ذات متعلقات و جذور تاريخية تمتد لبداية الإستقلال في عام 1956 و بعد عودة الملك الراحل محمد الخامس من منفاه في مدغشقر عام 1955 و حيث وضعت البداية للتاريخ السياسي المعاصر و القلق في المغرب و الذي شهد في بدايات الإستقلال صراعات عاصفة و معارك داخلية مهولة ، و شهد تنامي و تداخل تيارات متصارعة بين السياسيين الثوريين منهم ( كالمهدي بن بركة و قوى اليسار ) أو التقليديين و المحافظين من بقايا الجيش الفرنسي ( الجنرال أوفقير و زمرته من المتفرنسين ) أو من القوى القبلية و التقليدية من عرب أو أمازيغ ( المحجوبي أحرضان و عبد الكريم الخطيب و علال الفاسي ) و غيرهم من القواد و الزعامات القبلية دون أن نتجاهل الصراع الطويل في منطقة الريف ( شمال المغرب ) و حيث القبائل الريفية الصعبة الشكيمة و المراس و المهمشة تاريخيا في ظل العهود الماضية و التي لم تزل تحتفل بذكرى بطل الريف التاريخي و قائد ثورته الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد النصر التاريخي على الجيوش الفرنسية و الأسبانية في معركة ( أنوال) الشهيرة و بعد تحالف القوى الدولية الكبرى ضده إنتهت ثورته دون أن تنتهي جذورها و أسبابها و جمرتها المشتعلة و المخبوءة تحت الرماد وحيث إنتهى لاجئا في القاهرة ليموت و يدفن و يظل هناك حتى اليوم رغم كونه من أبطال الإستقلال و الحرية في تاريخ المغرب الحديث ، وفي عامي 1958 و 1959 شهدت منطقة الريف حركات عسكرية أخمدها جنرالات فرنسا المغاربة ( أوفقير و دليمي و المذبوح و أمزيان ) بكل شراسة ، فالصراعات الداخلية كانت تهدد المغرب الذي كان في بواكير إستقلاله الصعب ، و بعد وفاة الملك محمد الخامس المفاجئة و غير المتوقعة في شتاء 1961 حل محله ولي عهده ( مولاي الحسن ) الذي كان وقتذاك شابا يافعا محبا للحياة و للسلطة و معروفا بشخصيته القوية بل الطاغية و المتسلطة على كل شيء و أي شيء ، فيما إكتفى شقيقه الآخر مولاي عبد الله الذي كان شابا وسيما محبا للحياة و مباهجها و متعها بمنصب ولاية العهد الفخرية التي يطول بقائه فيه نظرا لولادة الحسن الثاني لولي عهده المنتظر ( مولاي محمد ) عام 1963 و الذي أنهى بشكل رسمي و طبقا للدستور دور الأمير عبد الله السياسي بشكل نهائي متفرغا للحياة و للإستثمار و تنمية الثروة الشخصية و مشاركا في العديد من المشاريع السياحية و التجارية و عاقدا أفضل العلاقات مع نجوم الفن و الطرب و التمثيل في العالم دون أن يعني ذلك تخليه المطلق عن السياسة وحيث إقترب كثيرا وقتذاك من قوى المعارضة اليسارية و تدخل كثيرا عند شقيقه الملك للعفو عن بعض المطلوبين إلى الدرجة التي تمادى خلالها رجل المغرب القوي وقتذاك في أواخر الستينيات ( الجنرال محمد أوفقير ) لتحذير الأمير عبد الله من مغبة التآمر ضد الحسن الثاني!! في الوقت الذي كان فيه أوفقير ذاته بصدد التحضير لأوسع و أبشع المحاولات الإنقلابية التي هزت المغرب و غيرت تاريخه و طبعت عقود طويلة من تاريخه المعاصر بصفة ( سنوات الرصاص )!! أي أن الملك كان للملك الحسن و الثروة و الجاه كانت للأمير عبد الله و الذي شهد كل المواقع و المواقف الساخنة بصحبة شقيقه الملك ، ففي إنقلاب قصر الصخيرات الشهير و الدموي ( 10 تموز/يوليو 1971) كان حاضرا بجوار الملك بل أنه قد جرح في يده!! و في حادثة محاولة إسقاط الطائرة الملكية في 16 آب/ أغسطس 1972 كان يجلس بجوار الملك في الطائرة كما تعرض للقصف في مطار الرباط/سلا بعد هبوط الطائرة!! أي أنه
كان المشارك في كل أحداث التاريخ المغربي المعاصر الكبرى رغم إبتعاده شبه التام عن الملك و الصولجان و كان محبوبا للناس و بعد وفاته عام 1978 شعر الملك الحسن الثاني بفراغ كبير لا يعوض فهو حبيبه و شقيقه رغم إختلاف الطباع و الأهواء و المواقف و قد ترك ثروة كبيرة في داخل و خارج المغرب قيل أنها أحد أهم أسباب الخلاف مع إبن الأمير الشاب مولاي هشام و الذي في شخصيته يترابط العرش المغربي مع عروش الشرق الأوسط فوالدته هي السيدة لمياء الصلح وريثة العائلة اللبنانية العريقة ، كما أن هنالك علاقة مصاهرة بين آل الصلح و العرش السعودي من خلال الأمير طلال بن عبد العزيز إمتدت لتشمل الأمير هشام العلوي المعروف بثقافته العصرية الغربية و بتفتحه على مناهج العصر وقيمه و تمرده على البروتوكول الموروث و التقليدي و رؤيته المختلفة لدور العرش في الحياة السياسية المغربية وهي رؤية تميل إلى تحويل مؤسسة العرش لدور رمزي و دستوري أكثر من القائم حاليا وهي قضية خلافية كبرى تثير هواجس و ظنون أطراف و مصالح عديدة ، و قد عرف الأمير هشام بمحاضراته في الجامعات و مراكز البحث الدولية ، كما كان الملك الراحل الحسن الثاني يحبه حبا جما رغم أن بوادر الخلاف بين الأمير و عمه قد نشأت و تطورت في نيويورك في عام 1995 حينما إشتد النقاش بينهما و إنتهى بوعكة صحية خطيرةأصابت الحسن الثاني وحيث رسم الأطباء بعدها بداية النهاية لحياة الحسن الذي أكتشف وقتها إصابته بمرض عضال و إنتهت معه حياة الملك المغربي في الثالث و العشرين من يوليو/ تموز 1999 ليحل محله أوتوماتيكيا ولي عهده ( محمد السادس ) الذي حاول أن يقدم رؤية و صيغة جديدة لمفهوم الملكية بعد تغيير الكثير من أساليب و طرق الحياة التي كان يمارسها الحسن الثاني و أهمها تغيير الرجال ( المخزنيين) الذين تحولوا لوجوه مكروهة شعبيا و بما يمس مصالح العرش المغربي فكانت الخطوة المنتظرة في طرد وزير الوزراء و أقوى الرجال في عهد الحسن الثاني بعد أوفقير وزير الداخلية ( إدريس البصري ) اللاجيء و المريض في باريس حاليا وحيث كان يصف نفسه بقولته الشهيرة : ( أنا المخزن )!! أي ( أنا الدولة )!! ، و لكن نهاية البصري لا تعني نهاية مدرسته السلطوية التي تمكنت من شرايين الدولة المغربية طيلة ثلاثة عقود طويلة و متعبة و عجفاء نهبت خلالها البلاد و حل الكساد و التراجع رغم محاولات الحسن الثاني الإصلاحية في أخريات أيامه و قيام ما يسمى بحكومة التناوب في عام 1998 و مجيء المعارض التاريخي ( عبد الرحمن اليوسفي ) لسدة الحكم رغم هيمنة رجل الملك أدريس البصري على مقاليد الأمور و تمتعه بحق النقض ( الفيتو ) و عدم التمكن من محاسبته بل أنه و بأساليبه الخاصة و التآمرية إحتوى قوى المعارضة التاريخية و جعل بعضها أسير رغباته!! و هو ما يصرح به علنا اليوم في مجالسه الباريسية!! ، المهم أنه بعد تولي محمد السادس تغيرت الكثير من الأمور في المغرب الذي شهد إنفتاحا أكبر بعد أن خفت حدة التوترات السياسية و مجيء ملك شاب لا علاقة مباشرة له بكل ملفات الدم و العذاب و الرصاص و الإنقلابات و شهد المجتمع المغربي بروز قوى المجتمع المدني و جمعيات حقوق الإنسان كما فتحت بعض ملفات الماضي السوداء و تم تعويض بعض الضحايا و هي خطوات جريئة لا تثير إعجاب و لا حماسة قطاعات عديدة في السلطة كانت مشاركة في تلك الإنتهاكات وذلك من طبائع الأمور ، وقتها حاول الأمير مولاي هشام طرح و تسويق رؤيته الإنفتاحية في داخل المغرب فجوبه بردود عنيفة من مراكز القوى الأمنية و الإستخبارية من بقايا المدرسة الأوفقيرية و البصرية و منهم مدير الأمن و المخابرات السابق و احد قادة الدرك السابقين أيضا الجنرال ( حميدو العنيكري ) الذي ضايق بمتابعاته الأمير الشاب الذي إضطر للرحيل صوب الولايات المتحدة حيث يملك مركزا للدراسات هناك مبتعدا عن السلطة و بهرجها مكتفيا بعقد الندوات و إلقاء المحاضرات و التنظير الفكري و السياسي... إنها لعنة السلطة القاتلة التي تفرق بين الأهل و الأشقاء ، وحكاية الأمير هشام في النهاية هي إستمرار لحكاية والده الراحل الأمير عبدالله..! إنها العروش و مستحقاتها الصعبة