موقع صاحب السمو الملكي الأمير مولاي هشام

moulayhicham

mardi 27 mai 2008

الأمير مولاي هشام: الدولة الإستبدادية ماهرة في امتصاص التغيير ولكنها ليست كاملة

بقلم الأمير مولاي هشام بن عبد الله العلوي
تعرضت البلدان العربية بالشرق الأوسط منذ حرب الخليج الاولى(1990-1991)ph_photoلمجموعة من الرجات المتتالية لو كانت وقعت في مناطق أخرى لترتب عنها خلخلة أسس العديد من الأنظمة الحاكمة.ومع ذلك,ورغم التحديات السياسية والإقتصادية والإيديولوجية الضخمة التي واجهتها الأنظمة الحاكمة ببلدان الشرق الأوسط منذ ما يقارب العشرين سنة,فإنها تمكنت من المحافظة على بقائها معتمدة بنيات سياسية عتيقة لم تفلح لا الحرب العالمية الثانية ولا عمليات الإستقلال في القضاء عليها.كما أن القوى الممكنة التي من المفروض أن تضطلع بالتغيير الذي طالما داعب مخيلة الجميع لم تفلح في إقامة معارضة بناءة فاعلة,مما جعل تلك الأنظمة الحاكمة التي كانت تبدو كما لو أنها على وشك فقدان كل مصداقية لها,تسعى إلى تلميع صورتها موهمة أنها بصدد فتح صفحات جديدة من تاريخها,وفي الوقت نفسه ظلت متشبثة بالسلطة.ولنتذكر هنا شعور التفاؤل العارم الذي تولد عن انهيار جدار برلين في نونبر 1989,وعن حرب الخليج الأولى(يناير-مارس 1991)حيث تم طرد صدام حسين من الكويت,مما جعل الجميع يؤمن بإمكانية ظهور نظام عالمي جديد,يتم فيه إحترام قواعد القانون الدولي,وتطبق فيه في كل مكان من العالم,بما في ذلك فلسطين,القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة,وفي سياقه أيضا ستهب على العالم العربي رياح الديمقراطية,وتصبح معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان واحدة موحدة في العالم كله,وتشجع الأنظمة الإستبدادية على دمقرطة نفسها بعيدا عن أي اكراه. وفي المستوى الإقتصادي ستؤدي عمليات"التقويم الهيكلي"(بما فيها عمليات الخوصصة وتقليص المساعدات التي تقدمها الدولة),والإتفاقيات التجارية للتبادل الحروالإغراءات المقدمة من أجل تشجيع الاستثمار والمبادرة الحرة إلى بروز طبقات متوسطة جديدة.وستعمل هذه القوى الإقتصادية والإجتماعية يدا بيد مع قوى وطنية ودولية أخرى على الدفع بالمنطقة على طريق الدمقرطة والتنمية الإقتصادية.وعلى غرار ما وقع بأمريكا اللاتينية وأوروبا الجنوبية في بلدان مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا ستضطلع مجموعة من النخب المبادرة الخلاقة بدور التحولات السياسية ومحركيها.هكذا سيغدو بإمكان الشرق الأوسط أن ينخرط في  ما كان ينظر إليه حينها كحركة تقدم كوني عالمي وبعد عقدين من الزمن,يمكن القول أن حصيلة هذا الزخم من الأماني والتطلعات في مختلف المجالات(السياسية,الإقتصادية,الإيديولوجية والعلاقات الدولية) تخلف في النفس الحسرة والأسى فعلى المستوى السياسي تتوزع منطقتنا ثلاثة أنواع من الأنظمة وهي الأنظمة المغلقة(ليبيا,سوريا,إلخ...)حيث لا وجود للتعددية ولو شكليا,والأنظمة الهجينةالجزائر ,مصر,الأردن,المغرب,السودان,اليمن حيث يتعايش النظام الإستبدادي مع بعض أشكال التعددية وأخيرا الأنظمة المفتوحة ويمثلها حاليا نظام وحيد وهو السائد بموريطانيا التي عرفت نظاما حقيقيا لتداول السلطة.وعلى المستوى الإقتصادي تمكنت السياسات الليبرالية الجديدة من تنشيط النموولكنها لم تجعل من بلداننا عناصر دينامية فعالة في الإقتصاد العالمي وهي بالتأكيد لم تخفف من البؤس وضروب الظلم الإجتماعي التي تنخر في كيان المنطقة صحيح أن خزائن البلدان المنتجة للبترول أصبحت مليئة بإحتياطي العملات ولكن ذلك مرده فقط إلى الإرتفاع الصاروخي لأسعار البترول ولا يعكس بتاتا أي تطوير وتجديد هيكلي وبفضل بعض الوسائل من قبيل صناديق السيادة فإن بعض هذه البلدان يستطسع إستعراض قوته المالية عن طريق إقتناء أجزاء من البلدان الصناعية التي تشهد أزمة ما مما يمكنها من تنويع مصادر مداخيلها.لكن ذلك أيضا ليس سوى نتيجة24647136_m اختلالات تعرفها بلدان الشمال وليس علامة على تحول ناجح للبنيات الاقتصادية بمنطقتنا.أما البلدان العربية الكبرى الأخرى فإنها ما زالت تواجه مشاكل خطيرة ناجمة أساسا عن النسبة المرتفعة من الشباب المتخبط في الفقر والبؤس ولم تنجح مصر أكبر هذه البلدان من حيث عدد السكان في التخلص من وضعية البلد المتعيش من المساعدات الخارجية كمصدر استراتيجي للدخل.وفي ما يخص الطبقات الوسطى فانها تظل تابعة لتدفق مداخيل البترول وعلى وجه العموم لعلاقات المحسوبية الإجتماعية التي لم يتم استئصالها.هكذا يتمكن النظام الإستبدادي الجمهوري والملكي على وجه سواء من المحافظة على بقائه كاشفا عن قدرة هائلة على التكيف فرجال الأعمال الأغنياء يظلون مدينين للدولة بالعقود التي حصلون عليهاوأيضا بقدرتهم على التأثير في السوق عبر شبكات تتيحها لهم علاقتهم بالدولةأما رجال الأعمال المتوسطون بل وحتى الباعة المتجولون فإن عليهم أن يظلو خاضعين للتوجيهات الوزارية والقواعد المتحجرة وقانون الرشوة وحتى المهن الحرة والفكرية تظل مرتهنة لمؤسسات الدولة وتتعرض لأقصى العقوبات إن هي تجاوزت الحدود المرسومة ولا مراء أن مصطلح"الفئات الوسطى" يظل مصطلحها مرنا وقد يصدق على فئات إجتماعية واسعة من رجال الاعمال والمدرسين والممرضين والتجار والفنانين والموطفين وبعضهم ينحدر من أسر لها حضور بارز محليا أو وطنيا وبعضهم الآخر يضم أشخاصا هم من بين أفراد عائلتهم أول من تمكن من الإرتقاء الإجتماعي النسبي ليتجاوز طور الكفاف ويتخلص من الأميةوالكثيرون من بين هؤلاء لن يسلم من العودة من جديد الى حال الفقر عند أول أزمةوقد تمكن بعض الضباط السامين في الجيش من شق طريقهم ليصبحوا منتمين إلى فئة البورجوازية الجديدة بفضل إستثماراتهم الضخمة في الإقتصاد الوطني وهم يشكلون إلى جانب الموظفين السامين والبروقراطيين الذين استغلوا مناصبهم لمراكمة الثروات قطاعا من"الفئات الوسطى" التي تقف في وجه كل تغيير
وتوجد أيضا فئة وسطى"معولمة"تضم فئتين فئة المهنيين ورجال الأعمال بالخارج الذين يقدمون إلى عائلاتهم التي ظلت بالمغرب مساعدات لا تسمح لها سوى باقتناء دكان أو ممارسة تجارة بسيطة أخرىوفئات إجتماعية تجد أن الآفاق مسدودة أمامها داخليافيصبح أملها الوحيد في تغيير وضعيتها الإقتصادية كامنا هناك في الخارج رغم أن هذا الخارج يظل بعيد المنال.ويبقى أن هذين النوعين من الهجرة هما علامة على نفس الخلل فالدولة أصبحت تتخلى تدريجيا عن دورها المتمثل في توفير مناصب الشغل وتأمين الحماية الإجتماعيةومن هنا نبع فقدان الفرد الشعور بأن ثمة إرتباطا بين مصيره الفردي ومشروع ما يتقاسمه الجميع.علاوة على ماسبق فإن مختلف هذه الفئات الوسطى لا تشكل سوى جزء ضئيل من ساكنة البلد حيث تعيش الأغلبية الساحقة على عتبة الكفاف وحيث ينعدم التعليم العمومي أو يكاد وينتمي أولئك الذين يدعون الى الليبرالية الإقتصادية الديمقراطية الى هذه الفئات الوسطى المتنافرة الى أقصى الحدود من طلبة وأصحاب مهن حرة ورجال أعمال متوسطين ومحامين ورجال قانون ومنتمين الى فئات الأقلية فئات اجتماعية مهمشة(النساء,العرقيات الأقلية,فئات جهوية مخصوصة,أقليات لغوية) ولكن كيف السبيل إلى التوفيق بين مطالب هؤلاء والمطالب المباشرة والمادية للفئات الأكثر تضررا التي تعيش في 7839350_mالمدن والقرى؟؟
تتفق كلمة كل هذه الفئات في المستوى الإيديولوجي على المطالب بـ"الديمقراطية" ولكنهم يختلفون حول هذه القضية المهمة أو تلك باختلاف المناطق.ومنذ بداية التسعينات لم تسمح الأشكال التي إتخدتها الليبرالية الإقتصادية والسياسية بتنامي وتقدم الأفكار التقدمية والعلمانية في أوساط الفئات الوسطى والشعبية.ونتيجة ذلك أن الإسلامية بمختلف تياراتها برزت كأفضل من يعبر عن متطلبات التغيير وأشكال الاحتجاج حتى ضمن فئات تنتمي تاريخيا إلى اليسار وتؤمن بالعلمانية كما شأن الطلبةوإذا كانت أصوات العلمانيين والإسلاميين تلتقي في سمفونية كبرى تدعو الى الدمقرطة فإن الفريق الأول يتغنى بنظام سياسي قائم على دولة الحق والمبادىء السياسية المعترف بها دوليابينما الفريق الثاني يمتدح أسس نظام سياسي ينبني على مجموعة من المبادىء القرآنية.ويسعى الفريق الأول إلى تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية المنحدة بحدود القانون بينما يذهب الفريق الثاني الى إقامتها على أساس النظام العقدي وإن كنا نلحظ نوعا من المرونة في موقف الإخوان المسلمين بمصر أو لدى حزب العدالة والتنمية بالمغرب في ما يخص مسألة الديمقراطية وسيادة الشعب ولكن لنتذكر أن عمر الإيديولوجية طويل طويل
مجمل القول ان الإصلاحات المطبقة في منطقتنا منذ خمس عشرة أو عشرين سنة لم تفض بنا تحت ضغط الغرب الى السبيل الذي ينطلق حتما من الليبرالية الإقتصادية إلى الديمقراطية مرورا بالتحديث والعلمنة بل على العكس من ذلك قدمت الدليل الملموس على انعدام أي رابط آلي بين مختلف تلك المراحل.كيف السبيل إلى تفسير الجاذبية الخاصة المفارقة ظاهريا التي يمارسها التيار الإسلامي المعاصر على العديد من حملة الشهادات؟؟
يرجع ذلك من جانب أول الى قدرته على الجمع بين موضوعتين وهما الإعتزاز الثقافي والهوية الدينيةوقد ظلت الأنظمة السياسية ردحا طويلا من الزمن تكتفي بوضع السلطة الثقافية بين أيدي رجال دين محافظين يعتقد أنهم الأقدر على"التحكم في المجتمع".وبعد النكسات التي أصابت القومية العربية وخاصة بعد هزيمة 1967 وتعامل بعض الأنظمة العربية الكبرى مع إسرائيل وأخيرا غزو العراق وتفكيكه. إستغل الدينيون النقمة المنصبة على الأنظمة العربية لينصبوا أنفسهم حماة ورواد الثقافة العربيةمما نجم عنه خليط إيديولوجي ماحق وبالغ الخطورةلا مراء. أن اللغة العربية تتوفر على تراث ضخم من الإنتاجات الغنية والمتنوعةغير أن العرب المتعلمين ومتعددي اللغات أصبحوا اليوم أمام قلة الترجمات الجيدة ينجزون جزءا هاما من أعمالهم بالفرنسية أو الانجليزيةليصبحوا علمانيين بتعاملهم بهاتين اللغتين.أما الشباب,فانهم يلتقطون ما يمكنهم التقاطه من زخم الثقافات العالميةليخلقوا في الشارع وعلى شبكة الانترنيت لغة عامية هي خليط من هذا وذاك وهم عندما يحملون من موقع يوتوب يصبحون علمانيين.وبالموازاة مع ذلك يمارس المتحمسون الدينيون ضغوطا كبرى محاربة"تدنيس" اللغة العربيةوالمفارقة أن هذه الضغوط تؤدي إلى إضعاف وضعية اللغة العربية في العالم فهي تعمق الهوة بين الثقافة العربية والثقافات المتوقدة حياة في الغرب والشرق مما يرسخ الشعور بوجود ضعف نسبي للمعرفة العربية.والحال أننا في أمس الحاجة الى أن يستعمل علماؤنا ومثقفونا وفنانونا بل وعامتنا أسكالا"مدنسة" مستثمرين ما تزخر به اللغة العربية من غنى وثراء

وتعد هذه الهجنة عامل اضعف في المستوى الديني أيضا.فمن جانب أول يكتسب الإسلام جاذبيته الخاصة من موقعه كآخر ديانة سماوية تقدم رؤية موجهة نحو الخلاص وتتضمن عناصر من إيديولوجيات علمانية من اليمين الى اليساروهي ديانة غير فردانيةترفض النزعة الإستهلاكية وتمتد عميقا في حياة الجماعةولكنها في المستوى الاجتماعي قد تكون حسب التأويل الذي يعطي لها محافظة جداتراتبية إلى حد التشددومتشبثة بالنظام والتقاليد رغم أنه من المفروض أن تكون موجهة الى الجميع.وتبعا لذلك فإن أية محاولة لإعطاء الأولوية للارتباط بين الإسلام وثقافة معينة(مخاصة العربية)على غيره من الارتباطات قد تفضي إلى تحويل الإسلام إلى نوع من الثقافة المغلقة الضيقةمما يمنعه من الإتجاه نحو الكونية.وبالإمكان إستشفاف بعض علامات هذا التوجه الضيق في تهجمات"القاعدة"على"الفرس"أو العلماء على"الأتراك".إن الكثير من الأنظمة تقيم شرعيتها على قصص قومية كبرى شبه أسطوريةوفيها تقدم نفسها في صورة المحرر وحامي الأمة في مواجهة الهيمنة الخارجية وأحيانا أيضا في صورة حامي الملة والدين.وهذه القصص هي غالبا قصص حقيقيةفالعديد من الأحزاب والأسر الحاكمة اضطلعت فعلا بدور بطولي في الحصول على الإستقلال الوطني والمحافظة عليه بيد أن هذه الأساطيرالموحدة التي تجد صدى كبيرا لها في وسائل الإعلام التي تروج لها باستمرارخلقت تماهيا زائفا بين النظام الحاكم والمجتمع وذلك غالبا بدعم قوي من بعض المثقفين الذين يسعون إلى درء الشقاق والتشجيع على الانصياع.والملاحظ أن ثمة دائما عنصرا غائبا في تلك القصص الكبرىكالأقباط بمصروالبربر بالمغرب والجزائروالشيعة والأكراد ببلدان أخرىوتظل التوترات الإجتماعية راسبة تحت السطح تعبيرا عن رفض هذه النزوع إلى التجانس كما أن القادة يشعرون بالخوف من شعوبهم وترتعد فرائصهم لمجرد الحديث عن إنفتاح سياسي حقيقي وبعض أشكال الإستبدادية تتخد طابعا شعبوياوبعضها يذهب حد تقديس الشعب ولكن تحت هذه المظاهر الأبوية تحتقر الحكومات والنخب الشعب بذريعة أنه مدين لها بالاستقلال والمكتسبات التي تنعم بها الامة

الجزء التاني من المحاضرة

Commentaires

اضف تعليقك على الموضوع اعلاه